السيد عباس علي الموسوي
76
شرح نهج البلاغة
أسحم ، إلّا أنهّ يخيّل لكثرة مائه ، وشدّة بريقه ، أنّ الخضرة النّاضرة ممتزجة به ومع فتق سمعه خطّ كمستدقّ القلم في لون الأقحوان ، أبيض يقق ، فهو ببياضه في سواد ما هنا لك يأتلق . وقلّ صبغ إلّا وقد أخذ منه بقسط ، وعلاه بكثرة صقاله وبريقه ، وبصيص ديباجه ورونقه ، فهو كالأزاهير المبثوثة ، لم تربّها أمطار ربيع ، ولا شموس قيظ . وقد ينحسر من ريشه ، ويعرى من لباسه ، فيسقط تترى ، وينبت تباعا فينحتّ من قصبه انحتات أوراق الأغصان ، ثمّ يتلاحق ناميا حتّى يعود كهيئته قبل سقوطه ، لا يخالف سالف ألوانه ، ولا يقع لون في غير مكانه وإذا تصفّحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة ورديّة ، وتارة خصرة زبرجديّة ، وأحيانا صفرة عسجديّة فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن ، أو تبلغه قرائح العقول ، أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين . وأقلّ أجزائه قد أعجز الأوهام أن تدركه ، والألسنة أن تصفه فسبحان الّذي بهر العقول عن وصف خلق جلاّه للعيون ، فأدركته محدودا مكوّنا ، ومؤلّفا ملوّنا ، وأعجز الألسن عن تلخيص صفته ، وقعد بها عن تأدية نعته . صفات المخلوقات وسبحان من أدمج قوائم الذّرّة والهمجة إلى ما فوقهما من خلق الحيتان والفيلة ووأي على نفسه ألّا يضطرب شبح ممّا أولج فيه الرّوح ، إلّا وجعل الحمام موعده ، والفناء غايته .